أحمد بن محمد المقري التلمساني
47
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
وأمثال هذا كثير ، وإنما جئت بحصاة من ثبير « 1 » . [ شمائل أهل الأندلس ] وأمّا كرم النّفس وشمائل الرياسة فأنا أحكي لك حكاية تتعجّب منها ، وهي ممّا جرى في عصرنا ، وذلك أن أبا بكر بن زهر نشأت بينه وبين الحافظ أبي بكر بن الجد عداوة مفرطة للاشتراك في العلم والرياسة وكثرة المال والبلدية ، فأجرى ابن زهر يوما ذكره في جماعة من أصحابه ، وقال : لقد آذانا هذا الرجل أشدّ أذيّة ، ولم يقصر في القول عند أمير المؤمنين وعند خواصّ الناس وعوامّهم ، فقال له أحد عوامّهم : إني أذكر لك عليه عقدا فيه مخاصمة في موضع ممّا يعزّ عليه من مواضعه ، ومتى خاصمته في ذلك بلغت منه في النكاية أشدّ مبلغ ، فخرج ابن زهر ، وأظهر الغضب الشديد ، والإنكار لذلك ، وقال لوكيله : أمثلي يجازى على العداوة بما يجازى به السفل والأوباش ؟ وإني أجعل ابن الجد في حل من موضع الخصام ، وأمر بأن يحمل له العقد ، ثم قال : وإني واللّه ما أروم بذلك أن أصالحه « 2 » ، فإنّ عداوته من حسد ، وأنا أسأل اللّه تعالى أن يديمها ؛ لأنها مقترنة بدوام نعم اللّه عليّ . [ فضائل البلاد ] وإن تعرضت إلى ذكر البلاد ، وتفسير محاسنها ، وما خصّها اللّه تعالى به ممّا حرمه « 3 » على غيرها ، فاسمع ما يميت الحسود كمدا : [ محاسن إشبيليته ] أما إشبيلية فمن محاسنها اعتدال الهواء ، وحسن المباني ، وتزيين الخارج والداخل ، وتمكن التمصّر ، حتى أنّ العامّة تقول : لو طلب لبن الطير في إشبيلية وجد ، ونهرها الأعظم الذي يصعد المدّ فيه اثنين وسبعين ميلا ثم يحسر ، وفيه يقول ابن سفر : [ الكامل ] شقّ النسيم عليه جيب قميصه * فانساب من شطّيه يطلب ثاره فتضاحكت ورق الحمام بدوحها * هزأ فضمّ من الحياء إزاره « 4 » وزيادته على الأنهار كون ضفّتيه مطرّزتين « 5 » بالمنازه والبساتين والكروم والأنسام « 6 » متّصل ذلك اتّصالا لا يوجد على غيره . وأخبرني شخص من الأكياس دخل مصر وقد سألته عن نيلها أنه لا تتّصل بشطّيه البساتين
--> ( 1 ) ثبير ، بفتح الثاء : اسم جبل ، أراد أنه أتى بقليل من كثير . ( 2 ) في ه : « ما أروم بذلك أصالحه » . ( 3 ) في ب : « حرّمها على غيرها » . ( 4 ) في ب : « هزءا فضمّ . . . » تسكين الثاني المتحرك ، وهو جواز في الوزن . ( 5 ) في ه : « مطرزة بالمنارة » . ( 6 ) الأنسام : جمع نسيم على غير قياس . وفي ب « الأنشام » : والأنشام : أشجار تتخذ منها القسي .